حول استشهاد علي حسن الجابر
استشهادُ شيخ المصورين القطريين علي حسن الجابر رحمه الله أمرٌ يحتاج للتوقف عنده والتأمل في أسبابه. ذلك أن الشهادة أمرٌ مُشرّفٌ لا ريب، إلا أنّ ما أوصله إليها ليس بالضرورة كذلك.
* * *
أحسبني بحاجة في بادئ الأمر لتوضيح مسألةٍ أثق أنها قد تشغبُ على الفكرة الرئيسة في هذا السياق.
إذ بطرحي السؤالَ الذي يُعَنونُ هذا المقال، فإنني لست بصدد الاعتراض على قضاء الله سبحانه وتعالى وقدره اللذين سبقا في علم الغيب عنده بشأن شهادة أخينا علي رحمه الله. وقد أخبرنا الله تعالى بذلك في أكثر من موضع من كتابه العزيز مؤكداً في هذا الشأن أنّ واحداً من أغراض التدافع بين الناس وتداول الأيام بينهم إنما هو {لِيَعْلمَ اللهُ الذيْنَ آمَنوا وَيَتخِذ مِنكُمْ شُهَدَاءَ}.
بيد أني في المقابل أجدُ من الضرورة بمكان ألا يلتبس الأمر على الناس، فيتداخل النهي الرباني {وَلا تقتـُلوا أنفُسَكُمْ} من حيث لا نشعر في مقام السعي إلى الشهادة. فلا يجوز مطلقاً إقحام الناس في معرض الخطر، ظناً منا بأنها هي الشهادة التي يتوخاها المؤمنون منهم. وأزعم أن الأمر سيكون مثيراً للاشمئزاز إذا تلقى ذلك القاتلُ التعازيَ باستشهادِ ضحيته، بل وأمسى أكثر المستفيدين منها.
وهذا تحديداً ما دعاني لكسر حاجز الصمت لإعلان هذا الأمر علانية. ذلك أن علي حسن الجابر وإن كان زميلاً بحكم عمله مديراً لقسم التصوير الميداني في قناة الجزيرة فإنه قبل ذلك مواطنٌ قطري وأخٌ عزيز. وأرى من الواجب عليّ في مقام استشهاده في سبيل إظهار الحق أن أعمل على إظهار الحق في مسألة شهادته.
* * *
ما أطرحه هنا أسئلة أجد من الواجب على شبكة الجزيرة الإجابة عليها لتؤكد لنا أن استشهاد الفقيد رحمه الله لم يكن بسبب إهمال أو استهتار مهني في إحاطته بأسباب الأمن في موقعه.
أوّلُ هذه الأسئلة متعلق بنوعية التدريب الذي تلقاه الشهيد، عملياً كان أو نظرياً، في مواقع التصوير المحاطة بجَوٍّ عَدائي.
فالمعروف لدى شتى المؤسسات الإعلامية الدولية أن هناك أموراً كثيرة ينبغي التنبّه إليها لدى من يشارك في تغطية الحروب. وقد تحولت تلك الحاجة منذ سنوات طويلة إلى دورات تدريبية نظرية وعملية تحيط المشاركين فيها علماً بكيفية التعاطي مع الأحداث وردود الفعل الممكنة تجاه التصرفات العدائية تجاههم. ناهيك طبعاً عن الدورات الخاصة بالإسعافات الأولية التي قد تمنع بعض حوادث الموت التي تحصل بسبب جهل أفراد الطاقم بها.
سؤالي الثاني متعلق بطبيعة التوجيهات الإدارية إلى الموظفين أثناء تغطية الحروب.
فنحن ندرك أن هناك مسؤولية شخصية تقع على عاتق من يغطي الأحداث العسكرية، ولكننا في المقابل نسأل عن طبيعة مسؤولية المؤسسة الإعلامية تجاه مراسليها في هذا الشأن. إذ إن تطوع الطاقم الصحفي لا يعني أن المؤسسة ملزمة بالاستجابة إلى رغبة موظفيها في الدخول إلى معمعة الحرب دون أخذ أسباب الحيطة. فمن يعمل في مهنة الصحافة باحثٌ إما عن المتاعب أو مستقتل للشهرة، وكلاهما لا يعفي المؤسسة التي ينتمي لها أن تضع الحدود التي تضمن له السلامة.
وفي تقديري أن موافقة المؤسسات الإعلامية على خوض فريق ما لذلك الغمار دون أخذ الاحتياطات اللازمة، وإن كان طوعياً، يشي بأنها حريصة على نيل السبق في نقل الخبر أكثر من حرصها على سلامة ناقله. فشعارٌ مثل (خاص بالجزيرة) بات علامة من علامات الجودة التي تتنافس كل المؤسسات الإعلامية (المرئية تحديداً) على بلوغه بأيّ ثمن حتى لو كان غالياً مثل ما جرى مع أخينا الشهيد، وكان يمكن أن يكون مضاعفاً، لولا ستر الله تعالى. وأعود للتذكير بأنني لست معترضاً على ما نحسبه شهادة لأحد الزملاء، إنما اعتراضي على الطريق الذي تم سلوكه لنيل تلك الشهادة.
أما المسألة الثالثة فهي طبيعة الحماية التي رافقت الفريق الذي كان الشهيد أحدَ أفراده.
فما رأيناه أثناء تغطية أحداث الثورة أن أحداً من مراسلي الجزيرة العربية لم يرتد الملابس المخصصة للحماية بما يشمل الخوذة الواقية أو السترة المضادة للرصاص. هذه الملابس باتت الآن جزءاً من عمل الإعلامي في البيئات الحربية. وهي بالإضافة إلى توفير الحماية، فإنها أيضاً أداة تعريف به بين الجموع، باعتبارها تبيّن أنها خاصة بالعاملين في الإعلام الذين تحرّم القوانين الدولية التعرض لهم أثناء أداء مهماتهم.
والمتابع لتغطية الجزيرة العربية يعلم أن أحداً من مراسليها لم يرتد أيّاً من تلك الملابس إلا بعد أكثر من عشرة أيام من استشهاد زميلهم رحمه الله.
وهذا يجعلنا نتساءل إن كانت شبك























